محمد حسين علي الصغير
41
تطور البحث الدلالى دراسه تطبيقيه في القرآن الكريم
ولا يكتفي ابن الأثير بهذا العرض دون التنظير الدلالي ويختار لذلك قوله تعالى : - وَقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْماءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 44 « 1 » . ويعقب بقوله : « إنك لم تجد ما وجدته لهذه الألفاظ من المزية الظاهرة لا لأمر يرجع إلى تركيبها ، وإنه لم يعرض لها هذا الحسن إلا من حيث لاقت الأولى بالثانية ، والثالثة بالرابعة وكذلك إلى آخرها » « 2 » . ويتعرض لدلالة اللفظ الواحد في تركيبين مختلفين ، فتجد اللفظ مستكرها في تركيب ، وهو نفسه مستحسنا في تركيب آخر ويضرب لذلك مثالا فيقول : - « وسأضرب لك مثالا يشهد بصحة ما ذكرته ، وهو أنه قد جاءت لفظة واحدة في آية من القرآن ، وبيت من الشعر ، فجاءت جزلة متينة في القرآن ، وفي الشعر ركيكة ضعيفة ، فأثّر التركيب فيها هذين الوصفين الضدين ، أما الآية فهي قوله تعالى : فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ . . . « 3 » . وأما بيت الشعر فهو قول أبي الطيب المتنبي « 4 » : تلذ له المروءة وهي تؤذي * ومن يعشق يلذ له الغرام وهذا البيت من أبيات المعاني الشريفة إلا أن لفظة : « تؤذي » قد جاءت فيه وفي الآية من القرآن فحطت من قدر البيت لضعف تركيبها ، وحسن موقعها في تركيب الآية » « 5 » .
--> ( 1 ) سورة هود : 44 . ( 2 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 214 . ( 3 ) سورة الأحزاب : 53 . ( 4 ) المتنبي ، ديوان المتنبي : 4 / 75 . ( 5 ) ابن الأثير ، المثل السائر : 1 / 214 .